حسن بن موسى القادري
215
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - عن الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج أبدا ، ولا تعرّض لمعارضة شيء من الشرع ، وكيف يترك الولي ما كان سببا لوصوله إلى حضرة ربّه ؟ وإنما يحثّ الناس على الإكثار من أسباب الوصول ، فما بقي وجه الإنكار إلا على مواجيدهم وأفهامهم ، وتلك أمور لا تعارض شيئا من صريح السنّة . والأمر في ذلك سهل ، فمن شاء فليصدّقهم ، ويقتد بهم كمقلدي المذاهب ، ومن شاء فليسكت ولا ينكر ؛ لأنهم مجتهدون في الطريق ، والمجتهد لا يقتدي وإن كان على مجتهد آخر ، وبالجملة فما أنكر على الصوفية إلا من جهل حالهم . كان الشيخ عليّ الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : إيّاك أن تصغي لقول منكر على أحد من طائفة العلماء والفقراء فتسقط من عين رعاية اللّه عز وجلّ ، وتستوجب المقت من اللّه تعالى . وقال الشيخ محيي الدين العربي قدّس سرّه : أصل منازعة الناس في المعارف الإلهية والإشارات الربّانية كونها خارجة عن طور العقول ، ومجيئها بغتة من غير تفكّر ونظر ومن غير طريق العقل ، فتنكّرت على الناس من حيث طريقها ، فأنكروها ، ومن أنكر طريقا من الطرق عادى أهلها ضرورة ؛ لاعتقاده فسادها ، وفساد عقائد أهلها ، وقد غاب عن المنكر أن الأولياء والعلماء العاملين قد جلسوا مع اللّه سبحانه وتعالى على حقيقة التصديق ، وعلى الصدق ، والتسليم ، والإخلاص ، والوفاء بالعهود ، وعلى مراقبة النفوس مع اللّه عز وجلّ حتى سلّموا انقيادهم إليه ، وألقوا نفوسهم سلما بين يديه ، وتركوا الانتصار لنفوسهم في وقت من الأوقات حياء من ربوبية ربّهم ، واكتفاء بقيّوميّته عليهم ، فقام لهم فيما يقومون لأنفسهم ؛ بل أعظم . وكان سبحانه وتعالى هو المحارب عنهم لمن حاربهم ، والغالب لمن غالبهم . وقال قدّس سرّه في باب الوصايا من « الفتوحات » : إيّاكم ! ومعاداة أهل لا إله إلا اللّه ؛ فإن لهم من اللّه تعالى الولاية العامة ؛ فهم أولياء اللّه تعالى ، ولو أخطأوا وجاءوا بتراب الأرض خطايا لا يشركون باللّه شيئا فإن اللّه تعالى يلقى جميعهم بمثلها مغفرة ، ومن ثبتت ولايته حرمت محاربته ، وإنما جاز هجر أحد من الذاكرين اللّه تعالى لظاهر الشرع من غير أن نؤذيه ، ونزدريه ، وأطال في ذلك . قلت : ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث القدسي الطويل الذي رواه مسلم : « قال اللّه تعالى : ومن لقيني بتراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة » . ثم قال قدّس سرّه : وإذا عمل أحدكم عملا توعّد اللّه تعالى عليه بالنار فليختمه بالتوحيد ؛ فإن التوحيد يأخذ بيد صاحبه يوم القيامة لا بدّ من ذلك . قلت : ويؤيده ما روي عن أبي ذرّ أنه قال : « يا رسول اللّه ، أوصني . قال : أوصيك بتقوى اللّه تعالى ، وإذا عملت سيئة فاتبعها بحسنة تمحها . قلت : يا رسول اللّه ، أمن الحسنات قول لا إله إلا اللّه ؟ قال : من أفضل الحسنات » ذكره في شروح أم البراهين . وكان الشيخ أبو تراب النّخشبي رحمه اللّه تعالى يقول : إذا ألف القلب الإعراض عن اللّه تعالى صحبته -